استهل سماحة الشيخ المجلسَ بأبياتٍ حسينيةٍ ممزوجة بالقصائد الأكبرية التي تطرح مصيبة علي بن الحسين الأكبر (ع)، ومن هذه الأبيات: (ولما دنت آجالهم رحبوا بها، كأن لهم بالموت بُلغة آملِ). بدأ سماحتهُ تقديم موضوعه بأنه متابعةً للموضوع في الليلة الماضية (ليلة الثامن) بشأن بعض التساؤلات والشبهات حول الثورة الحسينية.
طرح سماحتهُ الشبهة التي تُثار دائماً وهي عن الجيش الذي خرج لمحاربة الإمام الحسين (ع)، حيث اختلفت الآراء حول عددهم، لكن في أغلب الروايات يتراوح عددهم بين 30000 - 70000 مقاتل. ثم قال: "العدد كبير إذا ما قارناه بعدد مُعسكر الإمام الحسين (ع) وأصحابه الذين لا يصلون إلى المئة". ثم أوضح أن المشهور بين المؤرخين والمحققين ان الجيش الذي خرج لمقاتلة الحسين (ع) كانوا من أهل الكوفة، وهي نقطة هامة ويتصيد فيها الأعداء، فالكوفة يغلب عليها التشيع إلى علي بن أبي طالب (ع). فيقولون الأعداء أن ليس في ذلك الجيش حجازي، ولا بصري، ولا شامي، إنما كانوا من الكوفة، فيستنتج بعض الحاقدين والمرضى (إذاً.. الذين قتلوا الإمام الحسين (ع) هُم الشيعة أنفسهم).
وما هذه الأعمال (البكاء، الحزن، الجزع، والسواد)، ومزاولة كل مظاهر العزاء على الامام الحسين (ع) يشبُهونه بعملية تكفير وندم عن ما ارتكبوه الأجداد في السابق! ثم أردف سماحتهُ قائلاً: "كيف نجيب على هذا التساؤل او الشبهة؟". بدايةً أكد سماحتهُ بأن كل الجيش الذي خرج لحرب الحسين (ع) لا يحتوي ولا على شيعي واحد بمعنى الكلمة (بالمعنى الحقيقي والأدق).
كلمة (تشيع) كلمة عظيمة، وكما قال النبي (ص): "يا علي، أنت وشيعتك الفائزون يوم القيامة"، فإن شيعة علي بن أبي طالب (ع) هم الفائزون الذين لا يُحتمل أبداً أن يقتلوا إمامهم. إذاً من أين أتى هذا الجيش الذي حارب الإمام (ع)؟
الجيش الذي خرج، لم يكن فيهم شيعي واحد (حقيقي)، بل كان خليطاً مكون من فئات، ووضحها سماحة الشيخ في خمس فئات كالتالي:
1. الخوارج (خارجون عن الدين).
2. الحزب الأموي (أموي الأصل والإنتماء).
3. المنافقين (عاشوا في عهد الإمام علي (ع) أيضاً).
4. المرتزقة (يشكلون جيش نظامي، أُسس من الولاة في أيام دولة بني امية).
5. أكثر الفئة، هم الحُمر (الهمج) الذين لا يُعرف لهم نسب ولا دين.
إذاً أين الشيعة في الكوفة آنذاك؟ الجواب: بعد أن استولى ولاة معاوية على الكوفة، عثوا في الأرض فساداً، فقتلوا الشيعة وأبادوهم. قتلوا الكثير منهم حتى في الأيام الأخيرة القليلة قبل واقعة الطف، وحينها لا تجد شيعي معروف وبارز في الكوفة إلا مقتولاً أو سجيناً أو مشرداً. لدرجة أن الشخص الذي يُتهم بالكفر والإلحاد والزندقة، لا خوف عليه، لكن إذا اُتهم بأنه شيعي، يُسفك دمه وتُسلب أمواله وتُهدم داره.
لكن رغم كل ذلك القمع والإرهاب الأموي بقي الشيعة، يملأون كل أصقاع الأرض، مستدلاً بالآية الكريمة (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ). هذه الأكثرية الشيعة في العراق تكوّنت بعد زوال الحكم الاموي، بعد فترات نسبية من الإنفتاح والحُريات التي اكتسبها الشيعة.
ثم أوضح سماحتهُ أنه من الناحية الفكرية، نجد في هذه الشبهة تناقض صريح، فكيف يكون شيعياً ويقتل الإمام الحسين (ع)؟ كمن يقول أن مسلماً قتل النبي (ص)، فكيف يكون مسلماً وقتل النبي (ص)؟! ولأن لا يمكن أن يُقدم أي إنسان مسلم على هذا العمل الإجرامي، فقاتلي الإمام (ع) لم يكونوا شيعة ولا مسلمين أصلاً. فمن هم؟!
يُجيب عن ذلك الإمام الحسين (ع) عندما يخاطبهم يوم العاشر قائلاً: "فسحقاً لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرفي الكلم، عصبة الإثم، ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن!". الشيطان طبع على قلوبهم فلم يسمعوه وكأن الإمام (ع) لم يخطب فيهم!
ثم بدأ سماحتهُ في سرد السيرة الحسينية بذكر أول المصائب في يوم الطف (في كربلاء)، وهي مصيبة علي الأكبر (ع) وشجاعته وجهاده تحت راية المظلوم. ثم أردف قائلاً: "علي الأكبر (ع) هو قدوةٌ للشباب الصالح". بينما اختتم سماحتهُ المجلسَ بقراءة المصرع مُختصراً، وأنهاه بلطمية تفاعل معها الحضور وأبياتها: (يا أهل الخيم جاكم علي قوموا له، شوفوا على صدري جنازته محمولة، طلعن يا ويلي من الخدر عماته، شافوا علي مرمي ويجر وناته، ومن الطبر ما تنحصي جراحاته...).