ابتدأ سماحة الشيخ المجلسَ بأبياتِ حسينية حزينة جداً، بادئاً بـ "قد أوهنت جلدي الديار الخالية، من أهلها ما للديار وما ليّه، ومتى سألت الدار عن أربابها، يعدُّ الـصدى منها سؤالي ثانيه" ثم أبيات مؤثرة من قصيدة ملا عطية الجمري (ننسى وسهم الصاب قلبك يا ذرانا، ذلنا وفت قلوبنا ونكّس لوانا، تقطيع جسمك عالثرى قطع أمعانا، بخيلٍ وطت صدرك على حر الوطية). ثم استهل حديثه بقول الإمام جعفر الصادق (ع) حيث قال (ع): "من زار الحسين عارفاً بحقه، كمن زار الله في عرشه" وفي رواية أخرى: "من زار جدّي الحسين عارفاً بحقه كان معنا في أعلى عليّين"، وقدَّم عنوان موضوعه حول شرط من شروط قبول العمل والزيارة (المعرفة الحقّة).
أشارَ سماحتهُ إلى أن هناك نصوص وروايات متواترة في فضل زيارة الأئمة (ع) مثل زيارة الإمام الرضا (ع) ومضاعفة الأجر عليها، وكذلك الأئمة (ع) عموماً. لكن، هناك خصوصية لزيارة الإمام الحسين (ع) من بين جميع زيارات الائمة صلوات الله عليهم.
فيُذكر عموماً أن زيارة الحسين (ع) عملٌ محمود ومحبوب عقلاً وشرعاً، ويترتب عليه الأجر والثواب. من جهة أخرى، زيارة الإمام الحسين (ع) وفضلها، مشروطٌ بشرط، فإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، كل ذلك الفضل والمقام العظيم والأجر الكبير، يتحقق فيما تحقق الشرط. فالسؤال: ما هو الشرط؟ وكيف يتحقق؟ وهل بإمكان المؤمن، الإنسان المُحب الشيعي أن يُحقق هذا الشرط؟
الجواب: الشرط مذكورٌ في مقولة الإمام الصادق (ع) وهو من زار الحسين (ع) "عارفاً بحقه"، فأساس العمل والوصول إلى الأجر مشروطٌ بالمعرفة. وهنا سؤالٌ آخر: الإمام الحسين (ع) إمامٌ معصوم، وهل من الممكن أن تتوفر إلى الشخص العادي معرفته؟ هل يرقى إلى مستوى معرفة الحسين (ع) حق المعرفة؟
كذلك أشارَ سماحتهُ إلى أن المعرفة هي أساس كل شيء في الحياة، فالدين الأسلامي الشمولي، دين الله سبحانه وتعالى، بفكره وعقيدته وأخلاقه وتعاليمه ينطلق من نقطة معينة ويرتكز على معرفة الذات المقدسة والإيمان بالأحدية الصمدية. مُستفيداً سماحتهُ من قول الإمام علي (ع): "أول الدين معرفته..."، فكلما عرف الإنسان مولاه، هام برحابه وسِعة رحمته أكثر فأكثر.
ثم ذكر سماحتهُ قول الإمام علي (ع): "نوم العالم خير من عبادة الجاهل" وقوله (ع): "قصم ظهري إثنان: عالمٌ متهتك، وجاهلٌ متنسك"، ومن ضمن تلك الأعمال الدينية زيارة الحسين (ع) فهي تفتقر إلى المعرفة الحقة.
ثم بدأ سماحتهُ في شرح أقسام ومراتب المعرفة بإعطاء أمثلة كالتالي:
1. المعرفة الجلالية:
لو أنك رأيت من بعيد جبل وشخّصته بنظرك، ماذا تقول؟ هذا جبل
وليس شجر ولا إنسان، هذه نظرة ومعرفة سطحية وغير متعمقة.
2. المعرفة الجمالية:
إذا اقتربت من الجبل، وشاهدت شموخه وعظمته وارتفاعه، هنا تكون معرفتك أرقى وأسمى.
3. المعرفة الكمالية:
إذا صعدت الجبل، وعرفت ارتفاعه، ورأيته على نحو الواقع، وكنت على قمته، تكون معرفتك كمالية.
ثم أردف قائلاً: "معرفتنا لأهل البيت عليهم السلام تارةً تكون معرفة جلالية، وتارةً أخرى تكون جمالية، أما الكمالية فلا نصل لها نحن الناس العاديين"، ففي الزيارات نرى مثلاً (ما من شريف ولا وضيع ولا عالم ولا جاهل إلا وعرف جلالة قدركم). من هنا، بني أمية يعرفون الحسين (ع) وتلك المعرفة جلالية. ثم عرّج على المعرفة الكمالية، مستفيداً من قول النبي (ص): "لا يعرفك يا علي الا الله وأنا"، فهذه المعرفة محصورة في الشخص المعصوم أو الإمام المعصوم.
ثم ذكر سماحتهُ الإستنتاج النهائي فقال: "إذاً، شرط زيارة الحسين (ع) هو المعرفة الجمالية، ولا أقل منها"، وأكد على ضرورة وأهمية التأمل في الزيارات والأدعية الواردة عن أهل البيت (ع).
بعد ذلك، أولج سماحتهُ في السيرة الحسينية العاشورائية حيث تحدث عن الركب الحسيني ومسيره وإلتقاءه بالحر بن يزيد الرياحي رضوان الله تعالى عليه، وموقفه الصلب والمُشرّف مع الإمام (ع) وفوزه بالشهادة بين يديه (ع).
واختتم سماحتهُ المجلسَ بالأبيات الحسينية الخالدة (يا ناقتي لا تذعري من زجر، واسري بنا قبـل طلوع الفجر، بخير فتيـان وخيـر سفـر، آل رسول الله أهل الفخر)، ثم قصيدة الشيخ حسن الدمستاني (بينما السبط بأهليه مُجداً في المسير، فإذا الهاتف ينعاهم ويدعو ويُشير،...، قيل هذي كربلاءٌ قال كربٌ وبلا، خيموا إن بهذي الأرض ملقى العسكرين).