ابتدأ سماحة الشيخ المجلسَ بأبياتِ حسينية معبرة ومُحزنة حول مسلم بن عقيل (ع)، فتفاعل معها المستمعون. ثم استهل سماحتهُ موضوعهُ بالآية الكريمة (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ...)، وقدَّم عنوان موضوعه (فلسفة البلاء، ومعرفة حقيقة مفهوم البلاء).
بدأ سماحتهُ بتفسير كلمة البلاء لغوياً، البلاء هو الإختبار، فالألفاظ المترادفة كالنعمة وكالرخاء والفتنة والمحنة كلها تدخل في إطار الإمتحان والإبتلاء. ثم قال: "كما أن إكمال إيمان العبد في الحياة الدنيا أو نقصان إيمانه يتحدد طرداً أو عكساً بنتائج الإمتحان والإبتلاء في الحياة".
ثم شرح سماحتهُ التصور الخاطئ الذي يتصوره بعض الناس في أن البلاء يكون في السوء أو الشر (كالفقر، المرض، الإعاقة، والمصائب) ولكنه غير ذلك، فالبلاء يكون في السرّاء والضرّاء. العبد المؤمن يشكر إذا أصابه الإبتلاء في الشيء السار، ويصبر إذا أصابه في الشيء الضار.
والبعض يتصور تصور خاطئ ان البلاء فقط في السوء والشر والفقر والمرض والاعاقة في المحن في المصائب.. بل انه يكون في الشيء السار والضار. والعبد في الشيء السار يشكر والشي الضار يصبر.
ثم أوضح سماحتهُ أن البلاء كمفهوم هو محنةٌ ومِنحة، المحنة تقتضي الصبر، والمِنحة تقتضي الشكر. أردف قائلاً: "القيام بحقوق الصبر أيسر وأسهل على الإنسان بالقيام بحقوق الشكر" مصداقاً لقوله تعالى: (...وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا...). أما الواقع الذي نعيشه هو أننا بُلينا بالضرّاء فصبرنا وبُلينا بالسرّاء فلم نشكر.
استكمل سماحتهُ الحديث: "يستكمل العبد الإيمان عندما ينجح في الإمتحان"، ثم ذكر قول النبي الأكرم (ص): "لا يكون العبد مؤمناً حتى تكون المحنة عندهُ نعمة". وفسّرها بأن محنة الدنيا نعمةٌ في الآخرة، ونعمة الدنيا محنة في الآخرة. ثم ذكر سماحتهُ أن كلما استقام ورجحت كفة إيمان هذا العبد، زِيدَ عليه البلاء.
تطرق سماحتهُ إلى هدف الإبتلاء، فذكر أن الإنسان يمتحن الإنسان ليعرفه، أما الله عزَّ وجل أعلمُ بالخلق من أنفسهم، فإمتحانه سبحانه وتعالى لرفع الدرجات والتكامل، ولرقي الإنسان في عالم الروح. ثم ذكر أن صقل الحديد والفولاذ يجعلهما حادّين، وبنفس الفكرة، المصائب والمحن في الدنيا تجعل الإنسان أكثر حِدّة وتصميماً وفعاليةً، فتجعله أكثر قوة ومتانة وركازة في حياته، مستكملاً الحديث بأن ابتلاء الأنبياء كان أشد من جميع الناس".
ثم وضّح سماحتهُ أن الإبتلاء يكون في بعض الأحيان عقوبة تنزل بالعبد، لخطيئة أو ذنب اقترفه، كما قال الإمام الصادق (ع): "ليس من عِرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر"، فيكون الإبتلاء لهذا العبد كعملية تنقية وتطهير روحي.
ثم أوضح سماحتهُ النقاط أو الإبتلاءات التي ذُكرت في الآية الكريمة (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ...) فعددها:
1. الخوف.
2. الجوع.
3. نقص الأموال.
4. نقص الأنفس.
5. نقص الثمرات.
ثم أردف قائلاً: "الخوف عامل نفسي أولاً، وهو حالة نفسية تصادف الإنسان عندما يشعر بالخطر أمامه يهدده ويهدد وجوده"، فالله سبحانه وتعالى يمتحن العبد في عنصر أمنه الداخلي ألا وهو الخوف ( كالخوف من الحروب، الكوارث، الأمراض، فقد الأحبة، والمستقبل المجهول). ثم تحوّل إلى النقطة الثانية وهي الإبتلاء بالجوع، فالغِذاء قوام الحياة وهو شيء مهم لإستمرار الحياة، فالله عزَّ وجل يختبر العبد في أزمات الطعام، كقول النبي (ص): "أن الله يُغذي عبده بالبلاء، كما تُغذي الأم إبنها باللبن".
استكمل سماحتهُ الحديث في النقطة الثالثة: نقص الأموال، فقال: "العالم يضج بالمشاكل الإقتصادية والإنهيار الإقتصادي، وهذا هو امتحان كتمهيد لما سيصادف العالم في المرحلة القادمة". وانتقل إلى النقطة الرابعة بشرحها، الموت الذريع عبر السكتات القلبية والموت الفجأة والموت بسبب الحروب والأوبئة هو نتاج الذنوب والمعاصي في هذه الدنيا.
ثم ختّم شرحه للنقاط، بشرح نقص الثمرات، وهو ابتلاء أيضاً، عندها لا يجد الإنسان غذاء صالحاً للأكل. ثم أوضح أن بعض المفسرين يقولون أن الثمرات مقصود منها أثر الحرب على ثمرة قلب العبد (الأبناء). وأشارَ إلى الثمرة التي قدمها الحسين (ع) وهي ثمرة سفير الحسين (ع) مسلم بن عقيل (ع).
ثم بدأ سماحتهُ قراءة الأبيات الحسينية التي تشرح وضع مسلم بن عقيل (ع) في الكوفة قبل استشهاده، وكيف كان مسلم (ع) وفياً للإمام (ع) إلى آخر حياته. واختتم المناحة، بطرح حوار بين حميدة ابنة مسلم (ع) والإمام الحسين (ع).